
لم يعد معبر الكركرات مجرد منفذ حدودي أو طريق لعبور البضائع، بل أصبح نقطة تقاطع لمصالح اقتصادية وحسابات جيوسياسية وأمنية تتداخل فيها اعتبارات موريتانيا والمغرب والجزائر وجبهة البوليساريو، وتمتد تداعياتها إلى مواقف القوى الدولية، خصوصا الولايات المتحدة وروسيا.
إن أهمية هذا المعبر لا تكمن في موقعه الجغرافي فحسب، بل في دوره ضمن شبكة المصالح والطرق التجارية التي تربط المغرب العربي بإفريقيا جنوب الصحراء، فمن جهة، يمثل معبر الكركرات بالنسبة لموريتانيا شريانا تجاريا مهما ومصدرا أساسيا للعديد من المنتجات الغذائية والبضائع المغربية، وأي اضطراب فيه قد ينعكس مباشرة على الأسعار والقدرة الشرائية للمواطن الموريتاني، ومن جهة أخرى، يشكل بالنسبة للمغرب بوابة استراتيجية نحو الأسواق الإفريقية وممرا لتعزيز حضوره الاقتصادي والتجاري، وبالتالي، فإن استقراره مصلحة مشتركة، وإن كان استمرار الاعتماد الموريتاني عليه يكشف الحاجة إلى تنويع مصادر التموين وتعزيز الإنتاج المحلي وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
وتزداد حساسية الوضع مع التطورات الأخيرة في مجلس الأمن، بعد فشل المجلس، يوم 30 أكتوبر 2026، في اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي بشأن تجديد ولاية بعثة المينورسو، ودخول البعثة مرحلة إنهاء عملياتها ابتداء من فاتح نوفمبر، ويطرح هذا التطور تساؤلات جدية حول مستقبل مراقبة الوضع الميداني واحتمالات التصعيد، وما قد يترتب عليه من تداعيات على أمن المنطقة واستقرارها.
وفي خضم هذه التحولات، تجد موريتانيا نفسها أمام معادلة دقيقة؛ فهي ترتبط بالمغرب بمصالح تجارية وجغرافية، وبالجزائر بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية متنامية، كما تجمعها بالشعب الصحراوي روابط تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة، تشمل القرابة والمصاهرة والتواصل الإنساني، وهذه الروابط لا ينبغي أن تكون رهينة الخلافات السياسية أو التجاذبات الإقليمية.
ومن هنا تبرز أهمية الحياد الموريتاني باعتباره خياراً استراتيجيا لحماية المصالح الوطنية، لا موقفا سلبيا أو تعبيرا عن ضعف، كما قد يوهم البعض، فموريتانيا ليست مطالبة بالانحياز إلى أي طرف، وإنما بالحفاظ على علاقاتها المتوازنة مع الجميع، مع رفض تحويل أراضيها إلى ساحة للصراع أو تصفية الحسابات.
اقتصاديا، يمثل الطريق الدولي الرابط بين الجزائر وموريتانيا، وما يرتبط به من مشاريع لوجستية وتجارية، فرصة استراتيجية لتنويع منافذ البلاد نحو إفريقيا وتقليل الاعتماد على ممر واحد، كما أن تطوير الممرات التجارية مع المغرب يظل خيارا مهما، وفي هذا السياق، تكتسب مناطق الشمال، وخاصة شوم، أهمية متزايدة بالنظر إلى إمكاناتها في مجال النقل والتجارة والخدمات اللوجستية، فضلا عن ارتباطها بالمجال التعديني وحركة نقل المعادن والبضائع.
غير أن التنافس على الممرات التجارية لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية الاقتصاد وحده؛ فهو يحمل أبعادا جيوسياسية وأمنية تتعلق بالنفوذ ومراقبة الحدود وتأمين حركة الأشخاص والبضائع ومكافحة التهريب والجريمة المنظمة، ولذلك، فإن تنمية هذه المناطق يجب أن تسير بالتوازي مع تعزيز اليقظة الأمنية وتطوير قدرات المراقبة وحماية السيادة الوطنية.
كما أن التحركات والزيارات الدبلوماسية المتبادلة بين المسؤولين الموريتانيين ونظرائهم في المغرب والجزائر تعكس الأهمية المتزايدة لموقع نواكشوط في معادلة المنطقة، والمطلوب من الدبلوماسية الموريتانية هو تحويل هذا الاهتمام إلى شراكات ومكاسب ملموسة في مجالات التجارة والنقل والطاقة والتعدين والأمن، بعيدا عن منطق الاصطفاف.
موريتانيا أولا.. الحياد قوة واليقظة ضرورة
إن التحدي الحقيقي أمام موريتانيا ليس اختيار طرف على حساب آخر، بل حسن إدارة موقعها الجغرافي وعلاقاتها الإقليمية بما يخدم مصالحها العليا، وهذا يقتضي الحفاظ على استقرار معبر الكركرات، والاستفادة من الانفتاح على الجزائر، وتعزيز الشراكة مع المغرب، وصيانة الروابط التاريخية والاجتماعية مع الشعب الصحراوي، بالتوازي مع تنويع الاقتصاد وحماية الحدود.
فموريتانيا تمتلك من الموقع الجغرافي والإمكانات الاقتصادية والعلاقات الإقليمية ما يؤهلها لتكون جسرا للتكامل بين المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء، لا ساحة لتصفية خلافاتهما.
إن الحياد الذي لا تسنده قوة اقتصادية ويقظة أمنية ودبلوماسية متوازنة يظل موقفا هشا؛ أما الحياد المدعوم برؤية وطنية واضحة، فيمكن أن يتحول إلى مصدر قوة ونفوذ. وفي جميع الأحوال، يجب أن تظل مصالح موريتانيا وسيادتها وأمنها فوق كل اعتبار.

.gif)


.jpg)