
هل سألنا أنفسنا يوما: لماذا نتأخر رغم أن بلدنا غني بخيراته وبشبابه وبكفاءاته؟
الجواب مؤلم لكنه واضح: لأننا قبلنا مكافأة التملق على حساب العمل!
العمل هو الحياة، والإنتاج هو الكرامة.
العمل ليس مجرد راتب في آخر الشهر، العمل هو قيمة الإنسان، به يبني الفرد نفسه، ويحفظ كرامته، ويعيش مستقلا لا يمد يده لأحد.
وبالعمل والإنتاج تبنى المجتمعات، وتشيد الدول، وتتقدم الأمم؛ لا توجد دولة في العالم تقدمت بالخطابات والشعارات، بل تقدمت بالمصانع والمزارع والمدارس والطرق والجامعات والمختبرات .... وبسواعد أبنائها.
لكن ماذا يحدث عندما يصبح طريق المناصب والمكاسب هو التملق؟
عندما يكافأ من يتقن مدح المسؤول، ويهمش من يتقن عمله؟
هنا تحدث الكارثة!
مكافأة أهل التملق تقتل روح الجدية والمثابرة في نفوس أصحاب الكفاءات والمبادرات الجادة؛ لماذا سيجتهد المهندس والطبيب والمعلم والمزارع إذا كان الذي يصل هو الذي يجيد النفاق لا الذي يجيد العمل؟
كيف سيبدع الشاب إذا رأى أن الثراء يأتي بالطرق السهلة، بالعلاقات والمحسوبية، لا بالعرق والجهد؟
حصول البعض على الثروة بالطرق السهلة يقتل روح الإنتاجية، ويقتل الاعتماد على النفس، ويفسد عقليات الشباب والأجيال الصاعدة؛ يصبح حلم الشاب أن يجد "وساطة" لا أن يبني مشروعا، وأن يبحث عن "معارف" لا أن يطور مهارته!
ونفس الشيء بالنسبة للقبيلة؛ القبيلة هي أهلنا وهويتنا ونفخر بها، لكنها ليست وسيلة للحصول على مكاسب شخصية، ولا سلما للوصول إلى المناصب؛ عندما نستخدم القبيلة من أجل التوظيف والصفقات، نحن نظلم الكفاءات، ونظلم القبيلة نفسها، ونظلم الوطن كله.
الوطن أكبر من القبيلة، والكفاءة فوق الانتماء.
ثم يأتي الفساد، ليكمل المشهد الأسود؛ كل أوقية تُسرق من المال العام هي مدرسة لم تبن، ومستشفى لم يجهز، وطريق لم يعبد، وشاب لم يجد عملا.
محاربة الفساد ليست شعارا، هي شرط لبقاء الدولة؛ يجب أن يذهب المال العام إلى تنمية البلد، لا إلى جيوب الفاسدين.
رئيس الجمهورية يدعو دائما إلى اعتماد سياسة رشيدة، عادلة، وشجاعة: سياسة تكافئ من يعمل، لا من يتملق، سياسة تشجع الاعتماد على النفس، لا الاتكال على الآخرين.
سياسة تضع الرجل المناسب في المكان المناسب، لا القريب المناسب في المكان المناسب.
تخيلوا معي دولة، يكافأ فيها المعلم المجتهد، والطبيب المخلص، والمزارع المنتج، ورائد الأعمال الشاب... كيف ستكون؟ ستكون دولة عظيمة!
فلنبدأ بأنفسنا: لنعمل، لننتج، لنعتمد على أنفسنا، ولنرفض التملق والفساد والمحسوبية.
فالأمم لا تبنى بمن يتملقون للحكام... بل بمن يخدمون الأوطان.

.gif)


.jpg)