
يشكل انطلاق مشاورات المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي للتنمية المحلية بمدينة أطار فرصة مهمة لتقييم حصيلة المرحلة الأولى، وتشخيص الاختلالات التنموية في ولاية آدرار، وتحديد الأولويات الكفيلة بتحسين ظروف عيش السكان واستثمار مؤهلات الولاية، غير أن نجاح هذه المشاورات يظل رهينا بقدرتها على الانتقال من تشخيص المشاكل وتبادل المقترحات إلى تنفيذ مشاريع ملموسة تستجيب للاحتياجات الفعلية للمواطنين.
تواجه ولاية آدرار تحديات متداخلة، في مقدمتها ندرة المياه، وتغير المناخ، والجفاف، والتصحر، وتدهور التربة، وتراجع الغطاء النباتي والتنوع البيولوجي، فضلا عن ضعف البنية التحتية، وصعوبات فك العزلة عن بعض المناطق، والنقص في الخدمات الأساسية، ومحدودية فرص التشغيل.
وتستدعي هذه التحديات اعتماد رؤية تنموية متكاملة تجعل حماية البيئة ومكافحة التصحر والتكيف مع التغيرات المناخية جزءا أساسيا من التخطيط التنموي، من خلال استعادة الأراضي المتدهورة، وتثبيت الكثبان الرملية، وحماية الواحات والمراعي، وتشجيع التشجير الملائم للبيئة المحلية، وترشيد استغلال الموارد المائية.
كما تقتضي الأولويات تحسين التزود بمياه الشرب، ودعم الزراعة الواحاتية وتطوير أساليب الري المقتصدة للمياه، وفك العزلة وصيانة الطرق والمسالك، وتعزيز خدمات الصحة والتعليم والكهرباء، مع إيلاء عناية خاصة للمناطق الأكثر عزلة والأقل استفادة من المشاريع السابقة.
ولا يقل أهمية عن ذلك تثمين المؤهلات السياحية والتاريخية والزراعية التي تزخر بها الولاية، من خلال تطوير السياحة المستدامة، وتشجيع الاستثمار المحلي، وتثمين المنتجات الزراعية من خلال دعم الإنتاج والتحويل والتبريد والتسويق، ودعم المشاريع الصغيرة والتعاونيات، وخلق فرص عمل للشباب والنساء، بما يسهم في تنويع الاقتصاد المحلي وتحسين دخل الأسر.
ولتحقيق هذه الأهداف، ينبغي أن تستند المرحلة الثانية إلى تقييم موضوعي لحصيلة المرحلة الأولى، يحدد مستوى الإنجاز ومكامن التعثر، ويرصد النواقص التي لا تزال قائمة، كما يتعين إعداد خريطة واضحة للأولويات، وفق الاحتياجات الفعلية لكل مقاطعة وبلدية، مع اعتماد مقاربة تشاركية حقيقية تضمن الإنصاف في توزيع المشاريع، وتوجه الموارد نحو التدخلات الأكثر إلحاحا والأقدر على تحقيق نتائج مستدامة.
غير أن جودة التخطيط وحدها لا تكفي؛ فالتحدي الحقيقي يكمن في التنفيذ، ولذلك، ينبغي تحديد المشاريع المعتمدة وميزانياتها وآجال إنجازها والجهات المسؤولة عنها، وإرساء آليات فعالة للمتابعة والتقييم، وإشراك المواطنين في مراقبة الإنجاز، لضمان الشفافية ومعالجة أسباب التعثر.
إن ولاية آدرار بحاجة إلى تنمية متوازنة تحمي الإنسان والموارد الطبيعية، وتحول الإمكانات المتاحة إلى فرص حقيقية للنمو والاستقرار، فالمواطن لا ينتظر مزيدا من الوعود، بل يتطلع إلى مياه كافية، وطرق تفك عزلته، وخدمات أساسية جيدة، وفرص عمل تحفظ كرامته، وبيئة سليمة تصون الواحات والمراعي والتربة للأجيال القادمة.
وعليه، فإن نجاح المرحلة الثانية من البرنامج الاستعجالي لن يُقاس بعدد الاجتماعات والتوصيات، وإنما بما ستتركه من أثر ملموس في حياة السكان، وما ستحققه من تقدم في مكافحة التصحر، وحماية الموارد الطبيعية، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مختلف أنحاء الولاية.

.gif)


.jpg)