
قال تعالى: *﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.*
وثمة معنى ظل راسخًا في الوجدان: أن الأماكن التي وضع الله فيها البركة، وعمّرها بالعلم والصلاح والرجال، أكبر من أن تختصرها لحظة سياسية عابرة، وأعصى من أن يحتكر تمثيلها شخص، مهما علا منصبه أو اقترب موقعه من دوائر القرار.
وأوجفت واحدة من تلك الأماكن.
مدينة المتصوفة والأقطاب، وموطن أسر العلم والصلاح، وأرض أبناء محمد فاضل ولد شمس الدين، ونبلاء وأشراف إديشلي، وغيرهم من مكونات المقاطعة الأصيلة؛ تاريخ اجتماعي وبشري لا يمكن ضغطه في صورة واحدة، ولا اختزال أهله في باب واحد يصل إلى رئيس الجمهورية بينما توصد الأبواب في وجه الآخرين.
ومع اقتراب زيارة فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني إلى أوجفت، كان المنتظر أن تتحول المناسبة إلى لحظة جامعة، يظهر فيها وجه المقاطعة الحقيقي بتنوعه وأطره وكفاءاته وأحلافه ومكوناته.
لكن أسئلة كثيرة باتت تُطرح اليوم حول الطريقة التي تُدار بها التحضيرات، وحول الدور المنسوب لمدير ديوان رئيس الجمهورية الناني ولد اشروقه في رسم تفاصيل المشهد.
لماذا كل هذا الخوف من أن يرى الرئيس أوجفت كما هي؟
ولماذا لا تصل إليه المقاطعة بألوانها كلها، بدل أن تقدم إليه من خلال عدسة ضيقة يختار حاملها من يظهر في الصورة ومن يبقى خارجها؟
تتداول الأوساط المحلية حديثًا عن منع استقبال الوفود في المطار، وعن عدم السماح للسكان بالاصطفاف على الطرقات للتعبير عن فرحتهم بزيارة الرئيس، وعن تضييق مساحة اللقاء المباشر بين الأطر ورئيس الجمهورية لطرح مشاكل المقاطعة وهمومها.
إن صحت هذه المعطيات، فالسؤال ليس تنظيميًا فحسب، بل سياسي بامتياز:
*مِمَّ نخشى؟*
هل يخشى أحد من أن يسمع الرئيس مواطنيه؟
وهل يحتاج محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي يعرف أوجفت وتوازناتها الاجتماعية والسياسية، إلى من ينتقي له أبناءها قبل أن يلتقيهم؟
حتى اللقاء الخاص بين الأطر ورئيس الجمهورية، وفق ما يدور في الكواليس المحلية، كان موضع شد وجذب في النقاشات التحضيرية، بما فيها النقاش بين مدير الديوان والمدير العام لتآزر سيدي ولد مولاي الزين، ابن المنطقة والعارف بتفاصيلها.
ولست هنا بصدد الجزم بما انتهى إليه ذلك النقاش، لكن مجرد وجود هذا الجدل يكشف أن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف تنجح زيارة الرئيس؟
بل أصبح عند البعض: *من يظهر أمام الرئيس؟*
وهنا مكمن الخطر.
قبل ذلك بأيام، شهد منزل الدكتور ورجل الأعمال خالد ولد عبداوة اجتماعًا سياسيًا واسعًا ضم طيفًا كبيرًا من أطر ووجهاء وفاعلي أوجفت. وبصرف النظر عن الأرقام المتداولة بشأن نسبة تمثيله، فإن حجم الحضور كان كافيًا لإرسال رسالة واضحة: في أوجفت قوى اجتماعية وسياسية حقيقية لا يمكن تجاوزها.
ثم جاءت دعوة سياسية أخرى في قاعة مؤجرة، وُجهت إلى الأحلاف السياسية الأربعة المعروفة في المقاطعة: حلف الدكتور محمد الأمين ولد حلس، وحلف السياسي والسيناتور السابق محمد يحي ولد عبد القهار، وحلف الأستاذ محمد ولد الرهينه، وحلف رجل الأعمال محمد ولد لشكونه.
واجتمع المدعوون، بينما غاب صاحب الدعوة، مدير الديوان، وأرسل من ينوب عنه.
وقد يبدو الأمر تفصيلًا بروتوكوليًا صغيرًا، لكنه في السياسة ليس صغيرًا دائمًا.
فمن يريد جمع الفرقاء، يبدأ بالحضور بينهم.
ومن يريد بناء الثقة، لا يرسل إليها نائبًا.
والأهم من ذلك كله أن اللجان الست على مستوى أوجفت المركزية جاءت، بحسب الترتيبات المتداولة، من هذه الأحلاف الأربعة نفسها.
وهنا يحق لنا أن نسأل بهدوء لا يخلو من الحدة:
هل نحن أمام بداية نضج سياسي جديد، تتجاوز فيه الأحلاف خلافاتها وتلتقي تحت مظلة الحزب الحاكم بأخلاق سياسية تسمح بالتنافس دون القطيعة؟
أم أننا أمام هندسة مؤقتة، يُراد منها أن تبقى القوى المحلية متجاورة ولكن متفرقة، بحيث لا يستطيع أي منها تكوين موقف جامع؟
*هل هي وحدة… أم نسخة أكثر أناقة من سياسة "فرّق تسد"؟*
وثمة سؤال آخر لا يقل أهمية.
للدكتور الجامعي *سيدي محمد ولد داهي ولد الحمد*، الزعيم التقليدي لأوجفت من أبناء شمس الدين، عبارة سياسية واجتماعية تختصر شيئًا من تعقيد المشهد المحلي، خلال خطابه أمام منسق الحزب في أوجفت الاسبوع المنصرم :
*«الأحلاف أربعة، وكلهم بأمامه… والجميع بلا أمام.»*
عبارة تستحق التوقف عندها طويلًا؛ لأنها، مهما اختلفنا في تأويلها، تضع يدها على مفارقة أوجفت: أحلاف متعددة، وقيادات متعددة، لكن لا أحد يستطيع وحده ادعاء امتلاك المقاطعة أو احتكار تمثيلها.
ومن هنا يبرز سؤال مشروع:
*هل سمع مدير الديوان هذه العبارة من أحدهم، فبنى عليها مشروعه السياسي الحالي في أوجفت؟*
هل قرأ تعدد الأحلاف باعتباره فرصة لجمعها على مشروع سياسي جامع، أم باعتباره ثغرة يمكن النفاذ منها لإدارة التوازنات وإبقاء الجميع في حاجة إلى مركز واحد؟
لا أملك الإجابة، لكن السؤال في السياسة أحيانًا أكثر كشفًا من الإجابة نفسها.
الأيام وحدها ستجيب.
لكن التاريخ السياسي لا يرحم من يخطئ قراءة المجتمعات.
وأوجفت تحديدًا ليست أرضًا سياسية فارغة حتى يأتي أحد ليعيد تشكيلها على مقاسه. فيها أحلاف ورجال وتجارب وكفاءات وأطر ودكاترة ورجال أعمال ووجهاء وشباب، ولكل مكون امتداده ووزنه.
فيها الدكتور محمد الأمين ولد حلس وما يمثله حلفه من حضور.
وفيها محمد يحي ولد عبد القهار، السياسي المخضرم والسيناتور السابق.
وفيها الأستاذ محمد ولد الرهينه، صاحب المسار المعروف في التربية والتعليم، والذي ساهم عبر مؤسساته التعليمية في تكوين أجيال في نواكشوط وعلى مستوى الولاية.
وفيها رجل الأعمال محمد ولد لشكونه، المعروف لدى محيطه بحسن الخلق والأيادي البيضاء.
وخلف هؤلاء وغيرهم مجتمع كامل لا يجوز أن يتحول، ساعة وصول رئيس الجمهورية، إلى مجرد جمهور بعيد عن دوائر اللقاء والتأثير.
قال تعالى: *﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.*
والفساد في تدبير الشأن العام لا يبدأ دائمًا من المال؛ فقد يبدأ من فساد الصورة، ومن حجب الحقيقة، ومن تقديم الجزء على أنه الكل، ومن إيهام صاحب القرار بأن من وصل إليه يمثل من بقي خلف الباب.
فهل يمكن اختزال أوجفت، بقدها وقديدها، في لقاءات محدودة مع أشخاص معدودين؟
وهل يصبح بعض أبناء المقاطعة جديرين بالقرب من الرئيس، فيما يتحول بقية الأطر والفاعلين والأحلاف والنخب إلى مجرد متفرجين؟
وهل المطلوب إنجاح زيارة محمد ولد الشيخ الغزواني إلى أوجفت، أم إنجاح صورة سياسية مصممة سلفًا للزيارة؟
هنا يجب أن نتوقف.
لأن الرئيس نفسه سبق أن تحدث عن بره بأوجفت، برًا لا يكون على حساب أي مقاطعة أخرى من مقاطعات الوطن.
وتلك العبارة رفعت سقف الأمل.
ولهذا يصبح السؤال مشروعًا قبل وصوله:
*هل ستصل أوجفت إلى الرئيس، أم سيصل إليه فقط ما يريد الآخرون أن يروه من أوجفت؟*
الرئيس لا يحتاج إلى أوجفت مصفّاة سياسيًا.
يحتاج إلى أوجفت الحقيقية.
أوجفت المتفقة والمختلفة، الموالية والناقدة، أوجفت الأطر والشباب والنساء والوجهاء والقرى والتجمعات، أوجفت التي تحمل مطالبها ومشاكلها وآمالها كما هي، لا كما يريد أحد أن يعيد ترتيبها في ملف بروتوكولي.
ومن الصعب حجب الشمس بغربال.
بل يستحيل.
وأكثر ما ينبغي أن يحذر منه أي مسؤول قريب من مركز القرار هو أن تتحول قربه من الرئيس إلى جدار بين الرئيس والناس.
فمدير الديوان، مهما كانت قوة موقعه، موظف سامٍ في الدولة، وليس مالكًا للمجال السياسي المحلي، كما أن المطار مرفق للدولة وليس إقطاعية سياسية لأحد، والزيارة زيارة رئيس الجمهورية لمواطنيه وليست زيارة تيار إلى أنصاره.
هذه الحدود يجب أن تبقى واضحة.
ومن أراد أن يخدم الرئيس حقًا، فليفتح أمامه النوافذ لا أن يسدل الستائر.
وليعرض عليه الواقع لا نسخة منتقاة منه.
وليجعله يسمع الموافق والمختلف، لأن الحاكم الذي لا يسمع إلا صوتًا واحدًا قد يظن، ولو للحظة، أن البلاد كلها تتحدث بالصوت نفسه.
ولمدير الديوان تجربة سياسية سابقة يحق للناس أن يناقشوها ويقيّموها، لكن الحكم عليها ينبغي أن يكون بالأرقام والوقائع، لا بالأصول العائلية ولا بالأنساب. فالسياسة لا تمنح أحدًا قيمة بسبب كثرة أهله، ولا تسلبها منه بسبب قلتهم.
معركتنا ليست مع أصل رجل ولا قبيلته.
معركتنا، إن كانت ثمة معركة، فهي مع *فكرة احتكار التمثيل*.
فحتى من لم يستطع بناء قاعدة سياسية واسعة في مكان ما، من حقه أن يمارس السياسة في مكان آخر؛ لكن ليس من حق أي مسؤول، أيًا كان، أن يجعل موقعه في الدولة بديلًا عن شرعية المجتمع وتوازناته الطبيعية.
وهنا أصل القضية.
إن تعجب، فليس العجب أن يحاول رجل جمع المختلفين؛ فتلك خصلة محمودة لو نجحت.
العجب أن يُراد جمعهم من أعلى، دون الإنصات إلى جذورهم وامتداداتهم، ثم يُقال للرئيس: هذه أوجفت.
*لا، يا فخامة الرئيس… أوجفت أكبر.*
أكبر من حلف.
وأكبر من مدير ديوان.
وأكبر من نائب أو رجل أعمال أو منتخب أو إطار، وأكبر حتى من مجموعنا منفردين.
ولهذا فإن مطالبتنا لفخامة رئيس الجمهورية بسيطة وواضحة:
لا تسمحوا لأحد، قريبًا كان أو بعيدًا، بأن يحجب عنكم حقيقة المقاطعة التي تعرفونها أصلًا، ولا أن يختار لكم من أبنائها من يستحق الكلام ومن يستحق الصمت.
قال تعالى: *﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.*
فالسلطة مهما دامت عابرة، والمواقع مهما علت زائلة، ويبقى من المسؤول في ذاكرة الناس مقدار ما عدل، وما جمع، وما ترك وراءه من أثر.
افتحوا الباب لأوجفت.
اسمعوا أطرها.
استقبلوا تنوعها.
ودعوا أبناءها يتنافسون أمامكم في الأفكار والمطالب وخدمة المقاطعة، لا في القدرة على الاقتراب من باب مغلق.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: *«إن أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه»*.
ولسابق الود الذي جمعنا بوالدكم، رحمه الله، فإننا لا نطلب امتيازًا، ولا إقصاء أحد لصالح أحد.
بل نطلب عكس ذلك تمامًا:
أن يكون الرئيس للجميع.
وأن تكون أوجفت أمامه كما هي، لا كما يرسمها الآخرون.
وأن يتقدم إلى الصف من يستطيع جمع أهلها لا من يزيد المسافات بينهم.
فالزيارة لم تبدأ بعد، ولا يزال بالإمكان أن تكون لحظة تاريخية جامعة، بدل أن تدخلها المقاطعة وهي تسأل نفسها من سيجلس في الصف الأول ومن سيبقى خلف الأبواب.
*أوجفت لا تحتاج من يختصرها.*
تحتاج من يفهمها.
ومن عرف تاريخ هذه الأرض وأهلها، أدرك أن الشمس قد تتوارى خلف السحاب لبعض الوقت…
*لكنها لا تُحجب بغربال.*
عبدالله ولد لبشير
حقوقي ومدون
رئيس جمعية الحقوق والطفل والعمل المدني

.gif)


.jpg)