شهادة في حق العقيد سيدي محمد ولد فائدة/عالي ولد اعليوت

عرفت العقيد سيدي محمد ولد فائدة عن قرب، وجمعتني به تجربة إنسانية واجتماعية نبيلة سنة 2019، خلال مبادرة تم إطلاقها آنذاك لجمع التبرعات النقدية لصالح سكان مقاطعة أوجفت، بهدف التخفيف من وطأة الأوضاع الاستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا. وقد كان على رأس تلك المبادرة، فكان خير قائد لها وأصدق من جسد معاني الإخلاص والتجرد ونبل المقصد.

لقد رأيت فيه، طوال مراحل العمل، رجلا نزيها، كريما في عطائه، متواضعا في تعامله، صبورا في مواجهة التحديات، شهما عزيز النفس، يمتلك من الحكمة وسعة الصدر ما يؤهله لإدارة الحساسيات الاجتماعية المختلفة بروح جامعة وحس مسؤول. وكان حريصا أشد الحرص على أن تظل أموال المتبرعين مصونة وموجهة بالكامل إلى مستحقيها، فرفض أن تُقتطع منها نفقات التسيير، رغم ضخامة العملية وما استلزمته من جهود ومصاريف، إيمانا منه بأن الأمانة مسؤولية، وأن المال المخصص للضعفاء لا ينبغي أن تشوبه شائبة.

أما في المؤسسة العسكرية، فقد عرفه زملاؤه وضباطه وجنوده رجلا شجاعا، ثابتا في المواقف، نزيها في التسيير وطيب السلوك، مخلصا في أداء الواجب، كما يشهد له القاصي والداني باعتداله ووسطيته، وبمحبته للناس جميعا، وحرصه على جمع الكلمة وتغليب روح الوفاق.

ولعل من أبرز ما يميز هذا الرجل الكريم أنه ظل بعيدا عن مواطن الشبهات ومكاسب المال غير المشروع التي انساق إليها غيره، فبقي مثالا للنزاهة والاستقامة والقناعة، وهو ما يشهد به كل من عرفه وتعامل معه.

الرجال يعرفون بمواقفهم لا بأقوالهم، وبما يتركونه من أثر طيب في النفوس لا بما يجمعونه من متاع زائل، وقد كان العقيد سيدي محمد ولد فائدة، في كل ما عرفته عنه، واحدا من أولئك الرجال الذين يجمعون بين شرف الخلق ونبل السيرة، فاستحق احترام الناس ومحبتهم، وحَسْب المرء شهادة من عرفه عن قرب وخبر معدنه في ميادين العمل والعطاء.

تابعت باهتمام بالغ وشغف كبير شهادة العقيد سيدي محمد ولد فائدة في برنامج "مبتدأ"، فوجدت نفسي أمام رجل يتحدث بقدر كبير من الصراحة والاتزان، ويجمع في طرحه بين شجاعة الموقف وأمانة الكلمة، دون مواربة أو ادعاء، وبما يعكس ما يتحلى به من أريحية ورحابة صدر وصدق في التعبير.

وقد بدت من خلال تلك الشهادة، كما من خلال مسيرته العسكرية الحافلة، صورة ضابط استثنائي راكم تجربة مهنية ثرية وغنية، وقدم خلال سنوات خدمته تضحيات جساما في سبيل الوطن، متسلحا بروح الواجب وشرف الانتماء، فكان مثالا للضابط المهني الذي جمع بين الكفاءة والنزاهة والإخلاص في العمل دون أن يتخلى عنما يقتضيه واجب الإنسانية، كما بدا جليا في تعامله الإنساني الرفيع مع السجناء المحالين إليه في أكثر من مرة.

ومن هذا المنطلق، فإن خروجه المبكر من المؤسسة العسكرية لم يكن خسارة شخصية فحسب، بل شكل خسارة حقيقية للمؤسسة ذاتها وللوطن، لما يمتلكه الرجل من خبرة متراكمة ورصيد معتبر من العطاء والتجربة. كما أن عدم إنصافه ورد الاعتبار إليه، على النحو الذي يليق بما قدمه من خدمات جليلة، بدا للكثيرين تنكرا لواجب الوفاء تجاه أحد أبناء الوطن البررة الذين أفنوا سنوات عمرهم في خدمته بإخلاص وتجرد.

إن الأمم الحية لا تُقاس فقط بما تمنحه لأبنائها وهم في ميادين العمل، وإنما أيضا بمدى وفائها لمن خدموها بصدق وأدوا رسالتهم بأمانة وشرف. والعقيد سيدي محمد ولد فائدة، بما قدمه من تضحيات وما تحلى به من خصال حميدة، كان ولا يزال جديرا بمعاملة أكثر إنصافا وتقديرا، تليق بمقامه وبما قدمه للوطن من خدمات مشهودة.

وفي الختام، فإننا نهيب الجهات المعنية أن تبادر إلى إنصاف هذا الرجل ورد الاعتبار إليه، وفاء لجميل وجزيل عطائه، وتقديرا لمسيرته المهنية الزاخرة، وعرفانا بما بذله من جهود وتضحيات في خدمة الوطن، فتكريم الرجال الأوفياء وإنصافهم ليس منة عليهم، بل هو واجب تمليه قيم العدالة والوفاء، ورسالة إيجابية للأجيال القادمة بأن الوطن لا ينسى أبناءه المخلصين، وأن التضحية والإخلاص في سبيله لا يضيعان سدى.