
حين نُمعن النظر اليوم في التوتر القائم بين موريتانيا ومالي بعين مُركِّزة لا بعين منفعلة، يتكشف سريعا أننا لسنا بإزاء احتكاكات حدودية مؤقتة، ولا أمام سوء تفاهم عابر معزول عن محيطه، ولا حتى سوء تقدير أمني محدود يمكن فصله عن سياقه، بل أمام مشهد إقليمي واسع تُعاد صياغته بهدوء ظاهري، وعلى إيقاع ساحل يبدو ساكنا في سطحه، فيما يغلي في عمقه بتحولات أعمق وأبعد مدى؛ فالحوادث التي تطال المواطنين الموريتانيين، وما يرافقها من إشارات مقلقة على اختلال قواعد الاشتباك غير المعلنة، ليست سوى الأعراض السطحية لمرض أعمق يتمثل في انهيار توازنات قديمة، وصعود أخرى جديدة، وتفاوت كبير بين دولة تحاول أن تحكم مجالها بعقل الدولة، ودولة أخرى ما تزال تقاتل في أكثر من اتجاه لكي تثبت أصلا أنها قادرة على حكم نفسها.
لقد اعتاد كثيرون، كلما ذُكرت القوة العسكرية، أن يبدأوا من الأرقام وينتهوا إليها. كم عدد الجنود؟ كم عدد الطائرات والمُسيرات؟ كم عدد العربات والمدرعات؟ غير أن هذه الطريقة، رغم ما فيها من بساطة مريحة وتبسيط مخل، كثيرا ما تخدع أصحابها. فالقوة ليست رقما فقط، وليست كتلة فحسب، بل هي قبل ذلك قدرة على تحويل الأدوات إلى نتائج، والموارد إلى فاعلية، والانتشار إلى سيطرة. ومن هذه الزاوية تحديدا، يبدو الفارق بين موريتانيا ومالي أكثر عمقا من مجرد مقارنة بين جيشين. إنه فارق بين قوة خام ظاهرة وصاخبة، وبين فعالية استراتيجية أهدأ وأرسخ وأبقى.
نعم، لا أحد ينكر أن مالي تبدو على الورق أكبر حجما عسكريا، وأنها تملك كثافة قتالية أعلى نتيجة سنوات طويلة من الحرب المفتوحة. كما أن تصنيف Global Firepower لعام 2026 يضع مالي في مرتبة أعلى من موريتانيا من حيث القوة العسكرية التقليدية. لكن هذا النوع من التصنيفات، مهما كانت فائدته، لا يقيس كل شيء، ولا يقول الكلمة الأخيرة في شأن الحروب الحقيقية. فهو لا يقيس، على سبيل المثال، مقدار تماسك الدولة، ولا عمق شرعيتها، ولا تجاربها الفعلية، ولا تاريخها القتالي، ولا قدرتها على السيطرة الفعلية على الأرض، ولا قدرتها على منع تعدد الجبهات داخلها. وهذه كلها عناصر أصبحت في الحروب المعاصرة أهم من بعض أرقام الجرد العسكري ذاته.
ومشكلة مالي، في هذا السياق، ليست في العدد، بل في فائض الأعباء. فهي دولة خرجت رسميا من إيكواس مع حليفيها النيجر وبوركينا فاسو في يناير 2025، في مشهد عكس مدى التوتر بينها وبين محيط غرب إفريقيا التقليدي. وهي كذلك دخلت في أزمة حادة مع الجزائر في أبريل 2025 وصلت إلى حظر جوي متبادل، وهو تطور لم يكن تفصيلا ثانويا، بل مؤشرا على أن باماكو لا تعيش فقط صراعا مع الغرب، بل تعيش أيضا احتكاكا متزايدا مع دوائر إقليمية كانت تشكل لها في الماضي متنفسا سياسيا أو قناة توازن.
أما موريتانيا، فعلى الضفة الأخرى من هذا المشهد، لا تظهر بوصفها الدولة الأعلى ضجيجا، بل بوصفها الدولة الأعلى تماسكا. وهذه ميزة لا يُلتفت إليها بما يكفي في عالمنا الذي يحب الاستعراض أكثر مما يحب النتائج.موريتانيا ليست دولة متورطة في حروب داخلية مفتوحة، ولا دولة تتنازعها الجبهات، ولا هي ممن فقدت أجزاء من مجالها ثم استعادت بعضها لتعود فتنازع عليه من جديد، ولا دولة يتعرض جيشها دوريا لكمائن في عمقها وامتداداتها، أو لضربات موجعة من جماعات مثل جبهة تحرير ماسينا. بل هي، على العكس من ذلك، دولة نجحت عبر سنوات طويلة في بناء نموذج أمني وسياسي قائم على الاستباق والانضباط، وعلى القدرة على تحييد الخطر قبل أن يتحول إلى قدر يومي يُثقل كاهل الدولة والمجتمع.
وهنا تتجلى، بوضوح لا لبس فيه، قيمة التجربة التاريخية التي راكمتها موريتانيا. فهذا البلد لم يبلغ هذا القدر من النضج النسبي صدفة، ولم يصل إلى هذا المستوى من الاستقرار من فراغ، بل شقّ طريقه عبر مسار طويل من الاختبارات الصعبة التي صقلت مؤسسته العسكرية والأمنية، ومنحتها ذاكرة عملية راسخة لا تقدر بثمن. فمن حرب الصحراء، بما اختزنته من دروس دقيقة في القتال الصحراوي وحرب الحركة والمباغتة، والتي مكنت موريتانيا آنذاك من بسط السيطرة على مجمل الإقليم المتنازع عليه قبل أن تتخلى عنه لاحقا لدواع سياسية لا عسكرية، إلى أزمة 1989 مع السنغال، التي فرضت على الدولة والجيش معا اختبارا مركّبا في الانتشار الواسع، وضبط الإيقاع، وحسم المناوشات بقدر عال من الحزم والفاعلية، جعل الطرف المقابل يهاب الانزلاق إلى حرب شاملة؛ وصولا إلى مرحلة مواجهة التنظيمات الجهادية، حيث لم تقبل موريتانيا أن تبقى في موقع المتلقي للتهديد، بل انتقلت إلى عقيدة استباقية نقلت الضغط إلى خارج حدودها، وحمت بها الداخل من التحول إلى ساحة مفتوحة للفوضى والهجمات الإرهابية.
هذه المحطات ليست مجرد وقائع تاريخية معزولة، بل هي مدرسة متكاملة أسست لما يمكن تسميته بالعقل العسكري الموريتاني الحديث؛ عقل أقل تهورا، وأكثر صبرا، وأعمق إدراكا لحقيقة أن القوة لا تُقاس بضجيجها، بل بفاعليتها وبقدرتها على تأمين البلاد ومنع التهديد قبل وقوعه. وهو ما مكن موريتانيا من تحقيق قدر كبير من الحسم العسكري والأمني في فضائها الجغرافي شمالا وجنوبا وشرقا، ومن ترسيخ نموذج أمني يُشار إليه في محيط مضطرب.
وليس أدل على ذلك من أن تقارير وزارة الخارجية الأمريكية نفسها أشارت إلى أن موريتانيا لم تشهد هجوما إرهابيا على أراضيها منذ عام 2011، مؤكدة في الوقت ذاته أن جيشها يتمتع بقدرة وقوة معتبرة في المنطقة، وأن مكافحة الإرهاب ظلت أولوية ثابتة في سياسات الدولة. كما صنفت الولايات المتحدة الجيش الموريتاني شريكا إقليميا موثوقا ورائدا في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، واعتبرت الاستثمار فيه خيارا استراتيجيا بالغ الأهمية لضمان أمن واستقرار منطقة الساحل. وقد تُرجم ذلك إلى شراكة أمنية متقدمة شملت دعما لوجستيا متواصلا، وتزويدا بمعدات تشغيلية حديثة، وتكثيفا للتدريبات المشتركة، بما أسهم في تعزيز سرعة استجابة القوات الموريتانية، ورفع جاهزيتها، وتمكينها من التعامل بكفاءة مع التهديدات العابرة للحدود.
وبذلك، لم تعد موريتانيا مجرد دولة نجحت في حماية نفسها، بل تحولت إلى فاعل أمني موثوق، وعنصر استقرار إقليمي يُعوَّل عليه، في وقت ما تزال فيه دول أخرى في المنطقة تبحث عن توازنها المفقود بين الداخل المضطرب والخارج المتقلب.
وهذا هو الفارق الجوهري، بل المؤلم، في الحالة المالية. فالدولة التي تخوض حربا منذ سنوات طويلة، وتظل مع ذلك عاجزة عن بسط سيطرة كاملة على مجالها، لا يمكن أن يتحول طول أمد قتالها ولا تضخم عدد قواتها إلى شهادة تفوّق. بل إن الاستمرار في القتال، في مثل هذه الحالات، يكون دليلا على الإخفاق لا على الصلابة. ففي شمال مالي، ما تزال معضلة أزواد قائمة بأشكال متعددة، وفي الوسط يظل خطر جبهة تحرير ماسينا والجماعات الجهادية استنزافا دائما لا ينقطع، بينما تعيش الدولة كلها فوق توازن هش بين العسكر والقبائل والجماعات المسلحة، وعلى وقع حساسيات اجتماعية متراكمة لم تجد بعد طريقها إلى التسوية. ولهذا، فإن الجيش المالي لا يدخل أي معادلة خارجية وهو متفرغ لها بالكامل، بل يدخلها وهو مثقل بأعباء الداخل، محمّلا بتصدعاته، ومقيدا بإكراهاته البنيوية، مهما امتلك من جنود ومعدات، بما في ذلك منظومات مستوردة لم تُترجم إلى تفوق حاسم على الأرض، ولم تنجح حتى الآن في كسر معادلة الاستنزاف، ولا في فرض سيطرة حاسمة على الأرض، ولا في تحويل التفوق النظري إلى نتيجة عملية. فالسلاح، مهما كان مصدره، لا يصنع النصر حين يكون محمولا على بنية مأزومة، ولا يتحول إلى قوة حقيقية حين يُستهلك في محاولة ترميم اختلالات داخلية لا تنتهي.
ثم إن قوة موريتانيا لا تُقاس فقط بما في داخلها، ولا بما تملكه من موارد، بل أيضا بما تمثله في عيون الخارج. فالغرب، وبالخصوص أوروبا، لا ينظر إلى موريتانيا باعتبارها مجرد دولة أخرى في الساحل، بل بوصفها قطعة محورية في معادلة الأمن والهجرة ومراقبة الفضاء الأطلسي. وقد أعلن الاتحاد الأوروبي صراحة أن شراكته مع موريتانيا "ممتازة"، وواصل الاستثمار فيها سياسيا وتنمويا وأمنيا، كما تعززت الشراكة في ملف الهجرة بشكل لافت خلال عامي 2024 و2025. وفي مارس 2026، أكدت المفوضية الأوروبية مجددا استمرار العمل مع موريتانيا في إدارة الهجرة ومكافحة تهريب المهاجرين ضمن الشراكة التي أُطلقت في مارس 2024، في إقرار واضح بأهمية الدور الذي تضطلع به نواكشوط في هذا الملف الحساس.
وليس ذلك مجرد خطاب دبلوماسي مُنمّق، بل تعبير عن حسابات باردة. فموريتانيا، في المنظور الأوروبي، تمثل قطب الرحى في منظومة الحماية المتقدمة للطريق الأطلسي المؤدي إلى أوروبا. وقد أشارت Frontex إلى أن الطريق الغرب إفريقي شهد أكبر انخفاض في عام 2024 بنسبة 63%، مدفوعا أساسا بتراجع الانطلاقات من موريتانيا والمغرب والسنغال. أي أن استقرار موريتانيا لم يعد شأنا داخليا صرفا، بل هو أصبح مصلحة أوروبية مباشرة، وعنصرا حاسما في إدارة أحد أكثر الملفات حساسية بالنسبة للقارة. وهذه منزلة لا تحظى بها مالي في علاقتها مع الغرب، بل على العكس من ذلك، فقد اتجهت علاقة باماكو بالعواصم الغربية خلال السنوات الأخيرة إلى التوتر والقطيعة والشك المتبادل.
وإذا أضفنا إلى ذلك أن موريتانيا تحافظ، في الآن ذاته، على موقع متوازن ومقبول إقليميا، بحيث لا يرغب المغرب في خسارتها نظرا لمركزيتها في ملف الصحراء وامتداداتها الإفريقية، ولا تميل الجزائر إلى دفعها بعيدا عنها إدراكا لقيمتها في توازن الساحل والمغرب العربي، اتضحت الصورة أكثر. فموريتانيا، رغم أنها ليست دولة كبيرة بالمعنى الديمغرافي أو العددي التقليدي، تملك ما هو أثمن من الحجم في كثير من الأحيان: الموقع. والموقع، حين يقترن بالاستقرار والاتزان، يتحول إلى قوة فعلية، لا إلى مجرد إحداثي جغرافي.
أما مالي، فعلى الرغم من كل ما تمتلكه من ثقل ديمغرافي واتساع جغرافي، فإنها تجد نفسها محاطة بتوترات متشابكة مع الغرب، ومع جزء معتبر من محيطها الإقليمي، بما في ذلك الجزائر وبعض دول المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS)، فضلا عن توترات داخلية مع قطاعات واسعة من بيئتها المجتمعية. وهذه الوضعية، في حد ذاتها، كفيلة بأن تجعل من أي مغامرة خارجية عبئا مضاعفا، يضيف إلى أعبائها بدل أن يعزز موقعها، ويكشف حدود قوتها بدل أن يثبتها.
ومن هنا، فإن أي حديث عن مواجهة محتملة بين موريتانيا ومالي لا ينبغي أن يُقرأ بسطحية من قبيل؛ من يربح الضربة الأولى؟ لأن الحروب لا تُحسم بالضربة الأولى، بل بما بعدها. وقد تتقدم مالي، نظريا، في صدمة قصيرة بفعل الكتلة العسكرية، لكن حروب الصحراء، وفي بيئات الاستنزاف المركّبة، لا تُحسم بالكتلة ؟ إن الحرب الحقيقية تبدأ بعد انطفاء عنصر المفاجأة، حين يدخل عامل الزمن بثقله، وحين تتكشف هشاشة العمق، وحين تتحول الجبهة الخارجية من فرصة إلى عبء، ومن ورقة ضغط إلى استنزاف داخلي. عندها فقط تتبدل المعادلات، وتميل الكفة، لا لصالح من يملك العدد الأكبر، بل لصالح من يملك نفسا أطول، ومؤسسات أكثر تماسُكا، وشبكة علاقات أوسع، وقدرة أعلى على تحويل التوتر إلى أزمة سياسية على خصمه، بدل أن يتحول إلى نزيف مفتوح على نفسه.
والخلاصة، في صيغة تليق بتعقيد الدولة واضطراب المجال، أن موريتانيا لا تحتاج إلى ادعاء القوة، لأنها تملك صورتها الأكثر نضجا التي هي قوة الاستقرار، وقوة الجغرافيا، وقوة الثقة الدولية، وقوة التجربة الهادئة التي تعرف متى ترد ومتى تصبر، ومتى تُدوّل القضية ومتى تُغلق الأبواب في وجه الفوضى. أما مالي، فعلى الرغم من صخبها العسكري، فتبدو كدولة تقاتل وهي مثقلة بتوتراتها مع الخارج، وبمنازعاتها مع الإقليم، وباختلالاتها في الداخل، وهو وضع يحوّل كل قوة خام تمتلكها إلى قوة منقوصة الفاعلية، ويجعل من كل اندفاعة خارجية مخاطرة مضاعفة العواقب.
وفي السياسة كما في الحرب، لا يكون السؤال الحاسم هو من يملك السلاح الأكثر؟ بل من يملك الدولة الأكثر تماسُكا، والموقع الأكثر قيمة، والعلاقات الأكثر نفعا، والقدرة الأكبر على أن يبقى واقفا حين يتعب الآخرون. وفي هذا السؤال تحديدا، تبدو موريتانيا اليوم، رغم قلة الضجيج، أثقل وزنا مما يتصور كثيرون؛ لأنها ليست مجرد دولة تدافع عن حدودها، بل دولة تحوّلت، بحكم استقرارها وموقعها وشبكة علاقاتها، إلى عنصر توازن إقليمي ودولي لا يمكن القفز عليه.

.gif)


.jpg)